انتعاش سوق العملات الرقمية بالتزامن مع إقرارِ الاحتياطي الفيدرالي بتراجعِ حدة التضخم – هل يمكن للعملات الرق?

جويل فرانك
| 1 min read

شهدت أسعار العملات الرقمية انتعاشاً واضحاً يوم الأربعاء في أعقاب تصريحاتِ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، والتي جاءت أقلّ حدةً من المتوقع. وكان باول قد عقدَ مؤتمراً صحفياً لإعلان السياسة المالية الفيدرالية الصادرةِ عن الاحتياطي الفيدرالي، وإثر ذلك ارتفعت أسعارُ الأصول ذات الخطورةِ العالية بما في ذلك الأسهم، بتأثيرٍ من اعتراف باول بأنّ البنك المركزي قد أحرزَ تقدماً في مكافحتِه للتضخم، ومؤكداً أنّ “عملية خفضِ التضخم قد بدأت”.

جاء تعليق باول بعد وقت قصير من إعلان الاحتياطي الفيدرالي عن زيادةٍ مُتوقّعةٍ في معدلات الفائدة بمقدار 25 نقطةِ أساس لتصبح معدّلات الفائدة الفيدراليّة ضمن نطاقِ 4.50-4.75%. وبتأثيرٍ من تلك التصريحات والخطوات، وصلَ آخر سعرٍ لتداول عملة بيتكوين (Bitcoin-BTC) إلى 23,700$، ولكنّه ارتفع الآن بنسبةِ 2.7% تقريباً في يوم الإعلان هذا، وبما يقاربُ 4.0% مقابلَ أدنى مستوياتهِ السابقة عندما وصلت العملة إلى مستوياتٍ سعريَّةٍ حولَ 22,700$، وهي المستويات التي كانت قد سجّلتها قبل الارتفاع الذي تلا الإعلان المذكورَ للاحتياطي الفيدرالي.

وأبدت عملة إيثيريوم (Ethereum-ETH)– ثاني أكبرِ العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية- أداءً أفضل، حيث ارتفعت بما يزيد عن 3.5% منذ الإعلانِ ليصل سعرُها إلى 1,640$؛ فيما تُبدي الآن مؤشراتٍ توحي بأنها باتت على وشك إنجاز اختراقٍ صاعدٍ للنطاق قصير الأجل الذي كانت تتراوحَ ضِمنَهُ، ما سيفتح المجال أمامها لتسجيل ارتفاعاتٍ قد تصل إلى منطقة مقاومةِ 1,800$. وبالتزامن مع ذلك، ارتفعت العملات الرقمية البديلة الرئيسيّة مثل Cardano وSolana وPolygon وPolkadot بنسبةِ 4-8% عن المستويات التي كانت قد سجّلتها قبلَ إعلان السياسةِ المالية للاحتياطي الفيدرالي.

باول يحجمُ عن خفض الأسواق بشكلٍ أكبرَ في الوقت الحالي

ومع أن الفرصة كانت متاحةً لـ باول للتراجعِ عن الإجراءات المخفَّفةِ الأخيرة، والمتعلّقةِ بالشروط المالية للسوقِ (أي الإجراءات التي تمّ اتّخاذها في كانون الثاني/يناير الماضي، والتي أدّت إلى ارتفاع أسعارِ الأسهم والعملات الرقمية وانخفاض الدولار الأمريكيّ والعوائدِ)، إلا أنّه رأى أنّ تركيز الاحتياطي الفيدرالي كان على الاتجاهاتِ الاقتصادية طويلة المدى، وليس على الإجراءاتِ القصيرة الأجلِ التي تقتصرُ على الأسواق.

وكان العديدُ من الخبراء الاقتصاديّين قد حذَّروا قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي اليومَ من أنّ باول قد يتّجه إلى إطلاق تصريحاتٍ متشددة بهدفِ كبح “الروح الجامحة” التي تسودُ السوق، وذلك استناداً إلى افتراضِ أنّ الاحتياطيَّ الفيدرالي لا يريدُ للإجراءاتِ المخفّفة للشروطِ الماليّة -والتي تمّ اتّخاذها في وقتٍ مبكّرٍ- أن تُصعِّب مهمّته في إعادةِ التضخّم إلى نسبةِ 2.0٪ المُستهدفة.

ولكن -في الواقع- غابت اللهجة الحاسمة التي يمكن أن تترك أثرَها على السوق، ما أدّى إلى الارتفاع المذكور في أسعارِ بعض الأصول مثل العملات الرقمية. ومع ذلك، فقد أعلن الاحتياطيّ الفيدراليّ في بيانِه بأنّ الزياداتِ الحالية في معدلات الفائدة لا تزالُ ضروريَّةً، بل ومن المحتمل أن يكون هناك ما يبرّرُ زيادَتين أخرَيتَين، الأمر الذي يتعارض مع الحالةِ الأساسية للسوق، والتي تفترض وجود زيادةٍ واحدةٍ متبقيةٍ لمعدلات الفائدة بمقدارِ 25 نقطة أساس، والمنتظرةِ في آذار/مارس القادم لتكون خاتمةَ سلسلةِ الزيادات.

في كلتا الحالتين، يبدو أن الوضع مُواتٍ للعملات الرقمية للارتفاع على المدى القصير، وبالتالي يُعتبر قرار البيع خطراً على المستثمرين، بعد أن بدّدت الارتفاعات التي شهدها قطاع العملات الرقمية -في الساعات التي تلت إعلان الاحتياطيّ الفيدرالي يوم الأربعاء- أيّةَ احتمالاتٍ لحدوثِ انخفاضٍ في السوق. وتُظهر بياناتُ موقع Coinglass.com زيادةً في عمليات التصفية للمراهنات على انخفاضِ الأسعار في أعقاب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، ما يشيرُ إلى احتمالِ أن نشهد حركة بيعٍ بسيطة قد تستمرُّ في دعم السوق لفترةٍ وجيزة.

هل يمكن أن ترتفع أسعارُ العملات الرقمية في حالِ اتجاهِ اقتصاد الولايات المتحدة نحو الركود؟

رغم أنّ ما حدث  يوم الأربعاء يدعو مُستثمري العملات الرقمية إلى التفاؤل، إلا أن الارتفاع الذي جاء في أعقاب إعلان الاحتياطي الفيدرالي قد يتلاشى بسرعة، فمن المتوقّع أن تعلن بعضُ شركاتِ التكنولوجيا العملاقة، بما في ذلك منصّات ميتا (Meta Platforms) وأمازون (Amazon) وآبل (Apple) وألفابيت (Alphabet) عن أرباحِها خلال اليومين المقبلين، فيما تشيرُ أرباح الربع الرابع حتى الآن لشركاتِ S&P 500 بشكلٍ عام إلى نفس الناتجِ، ألا وهوَ حالة الركودِ في الأرباح.

وترجع حالة ركودِ الأرباح هذه إلى دخولِ الاقتصاد الأمريكيّ في حالةِ ركودٍ سريعٍ يعود بمعظمِه إلى التأثير الناتج عن سلسلةِ زياداتِ معدّلات الفائدة التي أعلنها الاحتياطي الفيدرالي خلال عام 2022. ويبدو أنّ هنالك إجماعاً بين مُحلّلي الاقتصاد الكليّ بأنّ الاقتصاد الأمريكيّ سيدخل حالة ركودٍ في وقتٍ ما خلال الشهور القليلة القادمة. وفي هذا السياق أوضحَ محلل الاقتصاد الكليّ الشهير ألفونسو بيكاتيلو مؤخراً في حديث تحليليٍّ مُعمَّقٍ على تويتر سببَ توقّعه لدخولِ الاقتصاد في حالةِ الركود هذه في غضونِ أربعة إلى خمسةِ أشهر.

وفي السياق نفسه، فإنّ المؤشرات الاقتصادية الرئيسية مثل Global Credit Impulse وConference Board’s Leading Index وسوق الإسكان ومؤشر Philly Fed New Orders Index تشيرُ جميعُها إلى هذا الاتجاه. وبالطبع فإنّ الركود في الولايات المتحدة سينعكسُ -كذلك- ركوداً متزايداً في أرباحِ الشركات الأمريكية.

وهكذا فمن الممكن أن يلقي خطرُ الركودِ بظلاله على سوق الأسهم بحرمانِها من الاستفادةِ من التصريحات الإيجابية التي جاءت أقلَّ تشدداً من جانب الاحتياطي الفيدرالي. ومن المعلوم أن العملات الرقمية كانت عموماً على ارتباطٍ وثيقٍ بسوق الأسهم في السنوات القليلة الماضية؛ وبالتالي فإنّ السؤال المطروح على المستثمرين هو ما إذا كان سوق العملات الرقمية قادراً على تجاوز الركود في الولايات المتحدة، حتى لو أجبرَ الضعفُ الاقتصادي الاحتياطيَّ الفيدراليَّ على اتخاذِ موقفٍ أكثرَ تشدداً.

وبالنظرِ إلى تجربة السنوات القليلة الماضية فقد تكون الإجابة بنعم، إذ يكفي أن نتذكّر أن الإغلاق الذي حصل عام 2020 بتأثيرِ جائحة كورونا قد أدّى حينها إلى دخولِ الاقتصاد الأمريكي في حالةِ ركودٍ قصيرٍ لكنّه كان عميقاً؛ وبعدَ موجةِ البيع الكبيرة الأوليّةِ التي حدثت بتأثير الذعرِ الناجم عن انتشارِ الوباء، عادت العملات الرقمية أقوى من أيِّ وقتٍ مضى، عندما قام الاحتياطي الفيدرالي بخفضِ معدلات الفائدة إلى الصفر وبدأت الحكومة الأمريكيّة خطةَ تحفيزٍ ماليٍّ غيرَ مسبوقة.

وبما أنّ لكلِّ دورةٍ اقتصادية وضعُها الخاص، فمن غيرِ المُرجّح أن يقوم الاحتياطيّ الفيدرالي بخفض معدلات الفائدة إلى الصفر بنفس السرعة التي كانت عليها في عام 2020، كما لا تملك حكومة الولايات المتحدة القدرة على المضيِّ قُدُماً في خطّةِ تحفيزٍ من النوع الذي قامت به في عامي 2020 و2021، لكن تخفيف الشروطِ المالية في عام 2023 قد يُقدِّمُ دعماً جيداً لسوق العملات الرقمية، حتى لو حالَ الركودُ في الولايات المتحدة دون رؤيتنا لسوقٍ صاعدةٍ بقوةٍ كما كان الحالُ في أواخرِ 2020/2021.